أبي حيان التوحيدي

140

المقابسات

المعجوز عنه ، وقرف بسوء الاختيار ، وحكم عليه ببوار السعي وبطلان الاجتهاد . ومع هذا فليس له أن ييأس من إصلاح ما هو مستطاع ، ليأسه من إصلاح ما هو غير مستطاع . وليس له أيضا أن يرجو إصلاح ما ليس بمستطاع ، لاقتداره على إصلاح ما هو مستطاع قطب هذه المذاكرة في الاخلاق ، على أن تهذيبها وتطهيرها وردها إلى مقارها ، وتسويتها وتعديلها من الصعب المتعسر ، والممتنع المتعذر ، لكنها مع هذا كله ممكنة من نفسها في أشياء خاصة ، وفي مواضع معلومة ، بعض الإمكان ، وضامنة الاستحالة فيها بعض الضمان ، فعلى هذا لا ينبغي أن يطمع في إصلاحها كل الطمع ، ولا يقطع الرجاء عن إصلاح الممكن منها كل القطع وكان في كلامهم حشو كثير حصلت خالصة زبدته ما أعدت هاهنا ، وذكرته في جملة [ الكلام و ] الناس من أول الدهر إنما يتكلمون في الاخلاق ، على هذا تدل الكتب السالفة ، والاشعار المتقدمة ، والمواعظ القائمة ، والمزاجر المترددة ، ومع ذلك كله من طبع على الجبن ليس يجيء منه شجاع ، ومن طبع على الغيرة لم يمكنه أن يغفل ، ومن وجد في سوسه شيئا أبداه ، ومن كان في قوته شئ أظهره ، ومن استكن في مزاجه شئ [ أبانه و ] الأصل طالع على رابية الأيام ، والاختيار في الأشياء قوة ضعيفة جدا لا ثبات لها مع الضرورة التي ترد قاهرة ، وتوافى مجبرة ، فإن الاختيار أيضا في الأول من جملة تلك الضرورة في عرض القسمة السماوية ، إن أذن له بدا وظهر ، وسعى وسفر ؛ وإن تكن الأخرى بطل حكمه ورسمه ، وارتفع عيبه وفعله . وقد شاهدنا من يمدح الجود ويحث عليه ، ويحسنه ويدعو إليه ، وهو أبعد الناس من العمل به ، والقيام بحكمه . وقد وجدنا من يلوم التغافل في الحرمة وما يجرى معها ، ويبعث على الغيرة والصرامة فيها ، وخوض الدم